أحمــــــــد قاســـــــــم : القضية الكوردية جزء من المشكلة ام ركيزة للحلول؟


أحمـــد قاســـــم :

تستكثر الجدال حول ماهية القضية الكوردية وحقيقة وجوده داخل الجغرافية السورية، كشعب ام أقلية، او مكون أساسي كان جزءاً من مكونات بناء سوريا كوطن والمساهمة في التنمية الإجتماعية

  كمواطن مسؤول. لقد تأسست دولة سوريا نتيجة اتفاقيات دولية للحفاظ على مصالحها في المنطقة بعد انسحاب قواتها الإستعمارية، كفرنسا و المملكة المتحدة، في اعقاب حرب العالمية الثانية. حيث كانت سوريا بجغرافيتها السياسية الحالية تحت انتداب الإستعمار الفرنسي من العام 1920 الى عام 1946 ‘ وذلك بعد انكسار الجيوش العثمانية امام القوات الإنكليزية والفرنسية، وبالتعاون مع العشائر العربية تحت اسم الثورة العربية الكبرى. مما ادى الى تحرير المنطقة من النفوذ العثماني وتشكيل دول حديثة على انقاض الإمبراطورية العثمانية التي انهارت بعد خمسمائة عام من حكمها الإسلامي وفقاً لإتفاقية سايكس ـ بيكو التي نفذت بنودها بالتوافق مع تركيا وايران، عندها تم تقسيم كردستان وللمرة الثانية بين تركيا الحديثة وسوريا والعراق الناشئتين، من دون ان يكون للكورد وللعرب رئيا في ذلك التقسيم. وكان من نصيب الجزء الذي الحق بسوريا ان يختار الكورد التعايش مع الجار العربي كشريك اساسي لبناء دولة سوريا..
 لقد عانى الكورد شتى صنوف الاضطهاد القومي بعد استقلال سوريا وخصوصا في عهدي عبدالناصر ووحدته مع سوريا عام 1958 وكذلك في عهد البعث منذ عام 1963  الى يومنا هذه. حيث طبق بحق الكورد سياسات ومشاريع استثنائية، جلها، الإحصاء الإستثنائي ومشروع الحزام العربي، والتي بموجبهما تم تجريد اكثر من  120 الف مواطن كردي من الجنسية السورية، وبالتالي حرمانه من اي مصدر معيشي، خلافاً بما يتمتع به اي مواطن آخر، وكذلك حرمانه من حق التملك والعمل في مؤسسات الدولة، وحتى في قطاع الخاص في كثير من الأوقات. الى جانب ذلك تم اتخاذ خطوات استثنائية من قبل النظام لمحاصرة الكورد وتجريده من كافة استحقاقات المواطنة، واتخاذ تدابير صارمة من شأنه صهر الكورد في بوتقة القومية العربية، وتغيير ديموغرافية المناطق الكوردستانية، والعمل على تغليب العرب من خلال هجرات متتالية ، وجلب العرب لإسكانهم في مناطق الحزام العربي، مما ادى الى تفريغ ما يقارب ثلث سكان المنطقة من الكورد، وخصوصا في منطقة الجزيرة ومحافظة الحسكة. هذا، الى جانب تغير معالم واسماء كردية وتبديلها باسماء عربية... 

بهذه السياسات الشوفينية والعنصرية من قبل نظام البعث العروبي، اكتسب الكورد مشروعية نضاله القومي من أجل تحرره من العنصرية البغيضة، وتحقيق حقوقه القومية كمكون اساسي من مكونات الشعب السوري، كونه يشارك سوريا ارضاً وشعباً. لذلك كان من اولى اهداف احزاب الكورد هو، رفع الإضطهاد القومي عن الشعب الكوردي، وتحقيق الحقوق القومية المشروعة لشعبنا وفقا لمواثيق وقوانين دولية نافذة، حيث ان سوريا هي من وقعت على تلك المواثيق والقوانين. فكانت من الأولى بها ان تنفذ هي تلك المواثيق والقوانين على ارض الواقع، وخصوصا تجاه الشعب الكوردي. إلا ان حكومات البعث بدلا من أن تنفذ ما وقعت عليها من مواثيق دولية، وخصوصاً في مجال حقوق الإنسان، اتجهت باتجاه قمع الكورد بأشكال شتى ومحاولة اذابته كقومية لها خصوصيتها تختلف عن خصوصية المكونات الأخرى. 
 ومواكبة لسياسات الإضطهاد والإقصاء، ناضل الشعب الكوردي باساليب سياسية وسلمية للدفاع عن وجوده، ومقاومة التهجير القسري والمركب، للحفاظ على مناطقه الكوردستانية الثلاثة( الجزيرة وكوباني وعفرين) مع الحفاظ على كثير من نتوئات جغرافية على الحدود مع تركيا على طول ما يقارب 900كم والعمل في المدن الأخرى للدفاع عن مواطنية الكورد السوريين على انهم اصحاب قضية قومية الى جانب انهم اصحاب سورية الدولة كما غيرهم من المكونات كعرب وغيرهم... 
 وبعد قيام الثورة السورية التي شارك الكورد فيها بشكل فعلي لإسقاط النظام وخلق بديل ديمقراطي تعددي يشارك الكورد في بنائه كمكون اساسي، تحاول بعض القوى الإقصائية من دينية وقومية أن تقفذ فوق الحقائق والوقائع من خلال انكار حقوق الكرد او تقزيمه قدر امكان من دوره، مما يشكل خطرا حقيقيا على مستقبل الثورة وتشويه مضامينها، وبالتالي ستشكل خطرا على سوريا كدولة وكوطن إن تم اقصاء الكرد والتمنع من استمتاعه بحقوقه المشروعة ، والتي يجب ان تكونا مصانا بدستور توافقي لبناء سورية الحديثة، لجعل الكورد جزءاً اساسيا من الحل والعقد الإجتماعي، لا أن يكون جزءاً من المشكلة، والتي يأبى الكورد ان يكون جزءاً من المشكلة في اعاقة النظام الديمقراطي التوافقي التعددي، والبالتالي  يكون الكورد جزءاً من هذا النظام. حيث كان ذلك مطلب الكورد منذ خمسة عقود، من خلال تأكده على ان القضية الكوردية هي قضية وطنية ديمقراطية، ولا يمكن حل هذه القضية الا في ظل نظام ديمقراطي تعددي وتوافقي بين مكونات الشعب السوري من خلال صياغة دستور عصري يصون حقوق كافة مكونات الشعب السوري ومن ضمنها المكون الكوردي. وأي عمل غير ذلك ستودي بسورية الى نفق مظلم لا تعرف الأمان والإستقرار، وقد تعصف بها نحو التقسيم والتدمير، عندها ستتحمل تلك القوى الإقصائية نتيجة اعمالها التدميرية. حيث ان نتائج مؤتمر المعارضة في استانبول مؤخراً وانسحاب الكورد من المؤتمرشكلت مؤشراً خطيراً تجاه التأزم وعدم اتحاد قوى المعارضة لمواجهة قمع النظام، بل قدمت هدية مجانية للنظام ليرتكب مزيدا من المجازر بحق شعبنا الأعزل.
  فعلى المعارضة السورية ان تكون ممثلا لكافة الشعب السوري، وعليه ان تنفض عن نفسها غبار الطائفية والعقلية الشوفينية والإقصائية، لتأدية واجبها الأخلاقية والحقوقية بعيدة عن تشوهات من خلال تنفيذ مصالح قد تؤذي مستقبل سوريا واستقرارها. ولتعلم بان بناء سوريا بمعزل عن الكورد بأنها درب من الخيال، فلا سورية ديمقراطية بدون مشاركة الكورد، ولا مشاركة من قبل الكورد من دون ان يحصل على حصته الحقوقية لبناء سوريا.

 
     أحمــــــــد قاســـــــــم
  كاتب وسياسي كردي سوري     2\4\2012
 








أخبـــــــار الوطـــــن

بيـــانــــات و تــقــــاريـــــر