د.آلان قادر :
مقدمة
يقال ان التاريخ هو تعاقب زمني للأحداث العالمية،التي تخلق واقعا معينا،بما فيها تأريخ تلك الأحداث ومضمونها. ويعود الفضل في اكتشاف نظرية الحقب التاريخية الى الفيلسوف الأغريقي الكبير ارسطوطاليس،مربي ومعلم القائد اليوناني الشهير اسكندر الكبير او ذو القرنين.
اذا ،التاريخ كأي علم من العلوم الانسانية، له قواعد وقوانين معينة يجب معرفتها قبل الخوض في مواضيع ذات طابع تاريخي،ناهيك عن الأخذ بالحسبان،مفهوم الذاكرة الجماعية والفردية لدى الشعوب التي تتعلق بتاريخها.وبناء على ذلك، تتلخص مهمة التحليل التاريخي في اختيار بعض الأحداث الهامة من مجموع الأحداث التاريخية الغابرة التي وصلت الينا،رسم لوحة تاريخية بواسطة تلك الأحداث، تشريح العلاقة الموجودة بينها على نحو يكون الحاضر نتيجة لها.
انطلاقا من مقولة التحليل التاريخي الواردة أعلاه يمكننا القول، أن معاهدة قصري شيرين التي وقعت بين بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية في 17أيار 1639 في مدينة قصري شيرين التي كانت تقع جنوب شرق كركوك، قسمت وطن الكورد، كوردستان لأول مرة بين الدولتين.اما اتفاقية سايكس- بيكو الاستعمارية لعام 1916 قسمت كوردستان للمرة الثانية بين فرنسا وبريطانيا، التي جوبهت من قبل الكورد بمقاومة بطولية ومتواصلة توجت ب عقد معاهدة سيفر لعام 1920 بين دول الحلفاء،حيث نصت في بنودها 62،63،64 على انشاء دولة كوردية مستقلة بعد 6 اشهر من فترة انتقالية. لست في وارد الحديث عن أثار أجدادنا الميتانيين وعاصمتهم واشوكاني بالقرب من سري كانييه( راس العين) وعاصمة الهوريين في تل موزان على بعد 5 كم من مدينة عامودا ( آميديا).
بتعبير أخر اذا حاولنا رسم لوحة تاريخية صحيحة لتلك الأحداث،سوف نجد ان حاضر الكورد وتوزعهم الجغرافي بين الدول الأربعة وعلى طرفي الحدود هو نتيجة حقيقية ومباشرة لتلك الأحداث.اذا الكورد يعيشون منذ القدم على ارضهم ولم يحتلوا هذه المنطقة عن طريق الحروب أو الغزو.
تصريحات د. برهان غليون لصحيفة روداو،قبل أيام بشأن عدم وجود كوردستان في سورية وان الفدرالية هي وهم، اثارت حفيظة الكورد في غربي كوردستان وموجة عارمة من الاستنكار،لأسباب عديدة،نوجزها بالأتي:
1-عدم معرفة تاريخ المنطقة والالمام بها ولاسيما تاريخ الكورد،الشريك الرئيسي للشعب العربي في سوريا.فالكورد وحسب غالبية المؤرخين،سواء الروس أو الأوربيين،هم أحد اقدم شعوب المنطقة، لم يأتوا من كوكب المريخ،بل يعيشون على ارضهم منذ عدة آلاف من السنين،اي قبل تشكيل الدولة المركزية السورية بكثير.
2- رجالات الدولة الحقيقيين، والحريصين على تعايش المكونات الأساسية،ناهيك عن مستقبل البلاد، يتميزون بالحكمة والدقة في التعبير وتحاشي كل مايسيء الى هذه البنية الأثنية الغنية والمتنوعة التي تراكمت على مدى آلاف السنين.
3- اتسمت تصريحاته بعدم الاتزان و العقلية الاقصائية -الشوفينية ولاتختلف عما جاء في مشروع عراب العنصرية والحزام العربي السيء الصيت محمد طلب هلال.
4- اعتداء سافر وغير مقبول على تاريخ الشعب الكوردي العريق الذي شارك بنشاط لامثيل له في بناء صرح الحضارة البشرية في هذه المنطقة الهامة من العالم.تزوير وتحريف لتاريخ الكورد لايصمد أمام الحقائق التاريخية مطلقا.
5- الشعب الكوردي انتفض في وجه البعث النازي لوحده، في عام 2004،حطم اصنام العبودية وكسر حاجز الخوف وقدم العديد من الشهداء.وهو يشارك بفعالية كبيرة ومنذ اندلاع الانتفاضة السورية في العام 2011.
6- تعزز هذه التصريحات غير المسؤولة، شكوك الكورد فيما يخص التنسيق بين الأتراك والأخوان المسلمين حول تهميش الكورد واقصاءهم في رسم مستقبل سوريا، مما ينذر بعواقب وخيمة على مستقبل التعايش السلمي بين الشعبين.
7- تصريح وزير خارجية تركيا داود أوغلو قبل اسابيع في مؤتمر صحفي: أن تركيا تسعى من اجل عدم تقسيم سوريا؟؟!! دليل واضح على احتواء تركيا لقادة المجلس الوطني السوري للوقوف ضد حقوق الكورد القومية المشروعة وهذا ما اكد عليه غليون أن الفدرالية وهم وأضاف قائلا:
من الصعب أن ترضى تركيا عن حلنا للقضية الكردية في سوريا.
8- عندما قارن د.برهان غليون قبل اشهر قليلة وفي مقابلة تلفزيونية الكورد بالمهاجرين في فرنسا واعتذاره اللاحق،دليل واضح على عدم صدقه من وراء الاعتذار.بدليل أن نكران وجود كوردستان أو ارض كوردية في سورية، يعني أن الكورد اقلية مهاجرة وليس لهم اية حقوق في هذه البلاد.
9- اذا تم حرمان الكورد من حق الأقليم أو الارض التي يعيشون عليها وتعود ملكيتها لهم، وبالصيغة المتعارفة عليها في القانون الدولي،و حسب كلام غليون هذا يعني انهم اقلية مهاجرة كما اسلفنا،وبالتالي غير مشمولين بالوثائق والعهود الدولية التالية بشأن حق تقرير المصير وعلى رأسها:
1-المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة : حول تطويرعلاقات الصداقة بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة وحق تقرير المصير.
2- المادة الأولى من العهدين الدوليين الخاصين ب:آ- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
ب-العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
التي تنص صراحة على مايلي: لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهى بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
هناك وثيقة دولية هامة جدا الا وهي: اعلان الأمم المتحدة لعام 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي عن العلاقات الودية والتعاون بين الدول وفق ميثاق الأمم المتحدة، تنص على أشكال وصيغ محددة وذلك في بند، مبدأحق تقرير المصير:
آ-اقامة دولة مستقلة وذات سيادة
ب الانضمام بشكل حر الى دولة مستقلة أو الاتحاد معه
ح- اقرار أي وضع آخر وفق الخيار الحر للشعب
اذا لتصريحان السيد غليون حول عدم وجود كوردستان في سوريا وحرمانهم من حق تقرير المصير الذي هو حق جماعي من حقوق الانسان،وارد في مجموعة كبيرة من العهود والموااثيق الدولية المعترفة بها،نتائج حقوقية خطيرة جدا. ومن هنا يجب التصدي لها وادانتها بكافة السبل والوسائل المشروعة، فالكورد ليسوا كعب آخيل مطلقا،أي أضعف حلقة في سوريا، يحلو له رمي سهامه نحوهم،بل انهم نار الآلهة بروميثيوس التي تجلب الخير والعطاء والدفء والمحبة بين شتى المكونات القومية في سوريا. الفدرالية شكل من اشكال حق تقرير المصير،لاتعني ابدا التقسيم وهي افضل حل لبناء دولة سوريا المتعددة القوميات،التي سوف تعجل في النهوض الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للبلاد وبالتالي الحيلولة دون عودة الفاشية والاستبداد الى السلطة. اثبتت الدولة المركزية وخلال العقود السابقة عن فشلها في حل المشكلات المتراكمة في المجتمع السوري، وما الحرب البربرية التي تشنها السلطة المركزية للبعث على الشعوب السورية،الا مثال على ذلك. علينا العمل على بناء مجتمع ديمقراطي،تعددي، قائم على مبادئ اللامركزية السياسة،اي تقاسم السلطة والصلاحيات بين المركز والأقاليم من اجل مستقبل الأجيال القادمة وليس ادلاء هكذا تصرحات مسيئة لأحد المكونات الأساسية في سوريا.
وختاما،اطلب من د.برهان غليون الاعتذار رسميا من الشعب الكوردي وذلك في مقابلة تلفزيونية بيني وبينه على قناة الجزيرة أو العربية لفتح نقاش وحوار ديمقرطي وحضاري بيننا يشأن تلك التصريحات وأحقية المطالب الكوردية المشروعة من وجهة نظر القانون الدولي وشرعة حقوق الانسان.
*د.آلان قادر،حقوقي ومتخصص في القانون الدولي العام،رئيس الجمعية الكوردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا
النمسا في 18.04.2012
تم النشر في 01,55 19|04|2012





