شيرزاد عادل اليزيدي : حين يرأس الكردي قمة العرب

 شيرزاد عادل اليزيدي :

رغم استبعاد, وكما هي حال القمم العربية, أن تكون قمة بغداد استثناء على صعيد اسهامها في معالجة الملفات المستعصية الضخمة المتراكمة في العالم العربي ولاسيما نحن نشهد قمة تنعقد بعد
  عام عاصف من الانتفاضات والثورات والتغييرات الكبرى في عدد من الدول العربية المحورية من مصر وليس انتهاء بسورية ما يضفي استثنائية على هذه القمة, وما يفترض بها أن ترتقي الى سوية التعاطي مع هذه المستجدات الكبرى والتاريخية ووضع برامج اصلاح حقيقي في البنى السياسية والمجتمعية لهذه الدول بما يجنبها من الدخول في خضم انتفاضات وثورات واحترابات عنيفة كما شهدنا خلال العام المنصرم, ولانزال, فسبحة التغيير في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسورية على تفاوت مساراتها ومآلاتها لن تقف عند هذه الدول فقط, فليس سرا أن جل دول المنطقة تتشابه من حيث واقع انعدام الديمقراطية وسيادة أنماط استبدادية حاكمة على اختلاف أشكالها جمهورية كانت أم ملكية مع تهميش الشعوب وحرمانها من حقها في المشاركة السياسية, بل وحتى من ممارسة السياسة المحتكرة للسلطة, مع تفاوت الدرجات بطبيعة الحال فلا يمكن مقارنة الأردن مثلا بالسودان او الكويت بالجزائر.
ولعل ما يزيد الحاحا في ضرورة اجتراح قمة بغداد لمبادرات اصلاحية خلاقة وعاجلة مطلوبة أن الربيع العربي كما اصطلح عليه تمخض في عديد من الدول عن هيمنة وبروز قوى اسلامية مع الأسف هي ابعد ما تكون عن تمثل روحية الربيع المرجو لجهة بناء عالم عربي جديد قوامه دول ديمقراطية تعددية ترنو الى المستقبل والتفاعل الخلاق مع العالم بدل النكوص مجددا الى مربع الايديولوجيات الشمولية التي لطالما اختبرها واكتوى بها العالمان العربي والاسلامي بما فيها الايديولوجيا الاسلامية فالسودان والصومال وأفغانستان كلها تقدم نماذج حية أو بالأحرى ميتة على المآلات البائسة التي تؤول اليها تجارب الحكم الاسلامية, ولعل العجيب هنا أن يتجاهل الكثيرون هذه التجارب الفاشلة بامتياز ويخرجوا علينا بكل برودة اعصاب للقول فلندعهم أي الاسلاميين يجربون حظهم ومن ثم نحكم عليهم وكأن المطلوب أن نقضي قرنا آخر حقل تجارب لدعاوى ايديولوجية فاشلة تعريفا مبنى ومعنى.
وعلى خلفية هذا الصعود للتيارات "الاخوانية" والسلفية المستفيدة من حالة الموات السياسي في مجتمعات المنطقة تطور الامر الى نشوء استقطاب حاد سني - شيعي لا سيما على خلفية الوضع السوري الذي أصبح يهدد بالتحول الى نار تمتد في هشيم توازنات المنطقة الهشة وتهدد بادخالها في أتون احترابات طائفية عنيفة تعيدنا الى ألف وأربعمئة عام الى الخلف, سيما وأن الامور في سورية تتجه أكثر فأكثر نحو عسكرة الانتفاضة على الاستبداد وتطييفها تلك السياسة التي لطالما عمل النظام البعثي القاتل عليها منذ اندلاع الانتفاضة عليه بما يدفع الامور نحو احتراب سني - علوي يطعن في وطنية الانتفاضة وشموليتها وجمعها لمختلف السوريين التواقين الى التحرر من الربقة البعثية الخانقة ويحرف وجهتها بحيث تغدو شكلا من أشكال الاحتراب الأهلي ما يتعارض مع كونها انتفاضة وطنية سلمية ديمقراطية جامعة لمختلف السوريين الأمر الذي ساهمت فيه بعض أطراف المعارضة السورية أيضا جنبا الى جنب النظام وتحديدا مجلس اسطنبول وما يسمى الجيش الحر .
وها هنا فان كيفية اطفاء هذا الحريق السوري تعد مهمة المهمات في هذه القمة التي لابد لها من محاولة نزع صاعق التفجير هذا والاسهام في اعداد مرحلة انتقالية تحقن الدماء وتؤسس لبديل ديمقراطي تعددي توافقي بين مختلف السوريين بعربهم وأكرادهم وسائر الاقليات الدينية والطائفية بما يدشن عقدا وطنيا تكامليا لا مركزيا بالتنسيق مع المجتمع الدولي أي أن يتم اقرار خارطة طريق عربية - أممية لاخراج سورية ومعها المنطقة ككل من  دوامة الدم والقتل نحو تغيير ديمقراطي توافقي يراعي حساسيات وحاجات مختلف المكونات السورية .
ولابد من الاشارة هنا الى أهمية انعقاد القمة العربية في بغداد بما ينطوي عليه من انفتاح وتصالح عربيين مع عراق ما بعد صدام بعد طول جفاء معه وتوجس منه والذي مثل تجربة سباقة لجهة التحول الديمقراطي في المنطقة, وان كانت التجربة طبعا غير مشجعة حالها حال مختلف التجارب العربية المتخلصة من الاستبداد حديثا من تونس وليس انتهاء بليبيا, لكنه مع ذلك يبقى صاحب التجربة الأولى في خوض غمار الدمقرطة, والفدرلة, ومحاولة التوليف بين مكوناته المتعددة في اطار وطني جامع لهذا التعدد والتنوع بعد طول استبداد بعثي.
فالعراق الذي شكل خط تماس شيعي - سني ابان تصاعد الحرب الطائفية فيه بعيد سقوط صدام من مصلحته, واستنادا الى تجربته المريرة تلك, وبالتعاون مع بقية الدول العربية اجتراح صيغة تعايش وتوافق على صعيد مختلف بلدان المنطقة على قاعدة احترام واقرار التنوع والتعدد المذهبي والقومي, بما يجنب المنطقة ويلات الغرق في أتون صراع طائفي مذهبي باتت سورية الآن خط تماسه المباشر, كي لا تكون القمة كسابقاتها ميدان تصارع وتضارب مشاريع وأجندات طائفية, تفقدها قدرة الانجاز لتتحول الى مجرد مناسبة علاقات عامة كما هو جار عادة القمم العربية في غالبها الأعم, فالتغيير قادم والمنطقة برمتها مقبلة على تحولات كبرى ستطال حتى تراكيبها الجغرافية, فهل سترتقي الدول المجتمعة في بغداد الى سوية التحديات الكبرى واجتراح حلول ومقاربات تراعي تطلعات الشعوب العربية وغير العربية حتى ممن تعيش مع العرب في دول واحدة كالأكراد والأمازيغ والأقباط, نحو الحرية والديمقراطية على قاعدة التوافق والتكامل بين المكونات الوطنية لكل بلد أم أنه سيعاد انتاج السياسات الكارثية الخاطئة اياها التي أوصلت العالم العربي الى ما هو عليه الآن من احتقانات وانسدادات مزمنة?
لكن يبقى التفاؤل قائما خصوصاً أن القمة تعقد برعاية الرئيس العراقي الكردي جلال طالباني, فليس تفصيلا عابرا ولا حدثا عاديا أن يرأس كردي قمة العرب فهي اشارة عظيمة الدلالة الى أن رغم كل شيء ثمة دائماً امكانية للتعايش والتسامح والفكاك من اسار النزعات القومية والدينية والجهوية القاتلة نحو آفاق وطنية وديمقراطية رحبة فها هو الكردي جلال, رئيس العراق غدا صمام أمان يحول دون انفجار الصراع السني - الشيعي في العراق كما شهدنا من خلال دوره الايجابي في احتواء الأزمة السياسية الأخيرة التي عصفت بالعراق بين المالكي والهاشمي وقائمتي دولة "القانون" و"العراقية" فهو والحال هذه ليس فقط ضمانة تعايش كردي - عربي في البلد بل غدا ضمانة وطنية لتعايش عرب العراق انفسهم بين بعضهم بعضاً والتخفيف من وطأة اختلافاتهم وحدتها وابقائها في الأطر الدستورية والسياسية كي لا تنزلق منزلقات العنف والاحتراب الطائفي .
وهنا الدرس ان العبرة ليست فقط في الشعارات المنتفخة عن العروبة والاخوة والوحدة والوطن, بل في تأسيس توافقات وتفاهمات وطنية عابرة للاعتبارات الفئوية والقومية والطائفية على قاعدة شراكة الجميع وتمثلهم في أوطان حرة تعددية وجامعة بحيث تتكشف حينها الحقائق الموضوعية كما هي, فالكردي الذي لطالما حورب في العراق وتم تصويره كعدو وانفصالي وارهابي, ها هو يغدو عامل توحيد وتقريب بين جميع العراقيين بل وتغدو تجربته الديمقراطية المزدهرة في اقليم كردستان التي بناها بالدم والدمع مضرب مثل تتراكض الآن المناطق والمحافظات العربية العراقية, سنيها وشيعيها, على الاحتذاء به والاستفادة منه.
انه درس بليغ برسم القادة العرب وبامكانهم. بل ومن واجبهم البناء عليه والاستفادة منه بل وتعميمه.

  كاتب كردي
sh.yazidi@hotmail.com



مصدر : السياسة
تم النشر في 17و44 31|03|2012 






أخبـــــــار الوطـــــن

بيـــانــــات و تــقــــاريـــــر