زوهات كوباني :
لقد غادرتنا ولم نكن نتوقع رحيلك بهذه السرعة, حتى أنت كنت تتوقع كل شيء, الشهادة ، والسقوط جريحاً, إلا هذا الغدر والخيانة التي تعرّضتَ لها في غربي كردستان, فشعبنا من هذا بريء. أحدَثَ
لم تكن تتوقع ذلك لأنك كنت تؤمن بمواصلة المسير والمشوار الجديد من هذا المارثون التاريخي ، وكنت تخطط للمرحلة المقبلة بانشاء الادارة الذاتية الديمقراطية في غربي كردستان وتحقيق أهداف الشعب في الحرية والعدالة والمساواة ، لم تكن تفكر بشيء سوى تحقيق أمنية هذا الشعب المضحي العظيم والذي أصبح حلماً له منذ الاف السنين وكنت دائماً مستعداً للتضحية والفداء في سبيل ذلك .
بقيتَ ربع قرنٍ في الجبال تنتقل من جبل الى آخر ومن وادٍ إلى آخر ولم تترك بقعة من جغرافية كردستان بأجزائها الأربعة إلا وتجولت فيها وخضت النضال فيها, وبهذا استطعت أن تفنّد مقولة كردستان المجزأة روحاً وقلباً, رغم التقسيم الجغرافي وتثبت أنها مازالت واحدة فجميعنا من الأجزاء الأربعة متوحدون ونعيش معاً, وكلّنا لحمة واحدة نعمل ونناضل كالجسد الواحد كلية مترابطة كترابط الظفر باللحم, فالكردي هو ابن كردستان, ابن مزوبوتاميا حاضنة التاريخ والحضارة وعليها مسؤولياتٌ بقدر عمق التاريخ والحضارة. ربما ولدتَ في غربي كردستان في ديريك قرية كركي لكي, ولكن أصبحت ابن كردستاننا الحبيبة بأجزائها الأربعة أصبحت ابن قامشلو, كوباني, عفرين, ابن مهاباد, كرمنشاه, ماكو ، ابن سليمانية, هولير, ودهوك ابن بوطان, آمد, غارزان, ديرسم, وأمل التواقين للحرية من الشعوب المضطهدة .
لم تكن تعرف الشتاء, ببرده القارس, بأمطاره وسيوله وأعاصيره وثلوجه التي تصل الى ارتفاع أمتارٍ عدّة . لم تكن تعرف المسافات الطويلة وكأنها تصبح أمامك مسافات قريبة وأنت تقطعها كما تجرف السفن الماء من أمامها ، ولم تكن تعرف الجبال العالية الشاهقة التي تصل ارتفاعها الى آلاف الأمتار بل كنت تتسلّقها دون أن تتعب أو تضعف عزيمتك ، لم تكن تعرف للجوع معنىً, حيث كنت تمرّ ورفاقك بظروف قاسية, بل تأقلمتم مع الطبيعة, تقتاتون من خيراتها, لم تكن تعرف الخوف من الجنود وأنت تعارك عشرات الألوف منهم رغم الفارق في العدة والعتاد ورغم تفوقهم كنت بحنكتك العسكرية تستطيع أن تخيب آمالهم وتلحقهم أشد الضربات والهزائم وتجعلهم يولون الأدبار ويهربون دون أن ينظروا خلفهم وتلقنهم خير الدروس وتُعرّفهم على حقيقة الكردي المتجسد في خبات الأوجلاني الكردي المعاصر، في كثير من الفترات لم تملكوا الامكانات الكثيرة والوافرة لكنّك كنت تحوّل الظروف الصعبة إلى ظروف سهلة و مواقف جميلة, وتجعل ظروف الأعداء أصعب ، بهذا كله استطعت أن تحقق ثورة الإرادة, ثورة الأخلاق, ثورة الضمير, ثورة الفكر, ثورة الوجدان, ثورة المعرفة نعم لقد قلبت حالة الخنوع والذل والهوان والاستسلام والعبودية واللاثقة بالنفس والخوف والجبن والجهل والكره التي فُرِضَت على شعبنا, قلبتها رأساً على عقب, حوّلتها إلى آية الحب والحرية والكرامة والشجاعة والمعرفة والصبر والنجاح, وأثبتّ ذلك في شخصيتك الأوجلانية المعاصرة, وجسّدتَ حقيقة مظلوم, عكيد, اسماعيل, شيلان, رستم . نعم خلقت ثقافة جديدة ثقافة العيش بحرية وكرامة وإباء وعزّة, ثقافة المقاومة ثم المقاومة ومن ثم المقاومة, المقاومة تجاه الاستعمار تجاه التاريخ الأسود, تجاه الخيانة والغدر تجاه الجهل تجاه الظلم والعبودية من أجل الحرية والديمقراطية, وها هو شعبك يسير على خطاك ويقسم ويعاهد على السير على نهجك حتى تحقيق كردستان حرة ديمقراطية أبية. نشرتَ فلسفة جديدة ، فلسفة النضال في أصعب الظروف بشكل ناجح ومظفر, وخلقَ إمكانيّات من اللاإمكانيات, فلسفةَ لا تعرف المستحيل, وتحقق النجاح في كل الظروف والشروط .
كنت تنتقل من إيالة إلى أخرى ومن اقليم إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى ، تترصد تحرّكات العدو, وتجتاز الكمائن دون أن تقع فيها, وكم من كمين حوّلَته إلى كمين مضاد للعدو, وأوقعتهم فيها, والحقت بهم الضربات الموجعة, حتى أن العدو باتَ يخاف الخروج لنصبِ الكمائن ، أنت الذي جعلت تقنيتهم فارغة لا فائدة منها وكنت تقاوم تقنيتهم بتكتيكاتك الحربية والعسكرية وبهذا كنت تسد الفارق الموجود بينك وبين تفوق العدو التقني ، كم كنت تسير في الليالي الدامسة حيث لا يرى الانسان أمامه قيد ذراع, وكنت في هذا الظلام الحالك قدوة الرفاق, تستخدم كلّ حواسك في المسير, كونك تعرف التضاريس والطرقات جيّداً, ولا تأبه بشيء وكأنّك تسير في طريق اسفلتي معبّد ، نعم كنت دائماً في مقدمة قوات الكريلا وتعطيهم المعنويات وتزيد من عزيمتهم ولا تهاب شيئاً. كنت ماهراً في فن المسير. ومن يعرف الكريلا يعرف أنّ المسير فنّ ليس ككلّ الفنون.
عندما كنت تسير إلى جانب جبل أو تقف في مشارف جبل كنت تنظر أولاً أين يجب أن نتمركز وبنفسك كنت تراقب المنطقة وتوزع القوات وتتخذ التدابير ، الحرب واحتمالات المباغتة والمناورة والخداع والكمائن والهجوم والتمشيط ، فكنت تحسب الحساب لأصغر الأمور إلى أكبرها, كنت تحسبُ الأمور التي يصعب على الإنسان تذكّرَها أو أن تخطُرَ على باله ولكن أنت كنت تعرف لأّنك صاحب تجربة غنية وقوية.
كم قُمتَ بالكشف على العشرات من الثكنات العسكرية وخططت للإغارة عليها, للانتقام من الظلم من الاضطهاد, من الجيونوسايد السياسي الثقافي الاجتماعي المفروض, الممارَس بحقّ هذا الشعب منذ مئات السنين, بحيث أصبحت بمثابة كابوسٍ وخوفٍ لهم، نعم كنت تفكر بالانتقام من التاريخ الأسود, لتدشّن تاريخاً منيراً ساطعاً مشرقاً ، نعم كنت تريد مهاجمة هذا الذهنيّة وتستهدفها لأنها هي التي فرضت الظلم وهي التي زرعت بذور الخيانة, وكنت تعرف كيف تطوّر الحقد تجاه هذا التاريخ الأسود وتحوّله إلى نورٍ لطريق النضال, ترفع من معنويات الرفاق وتشحذ هممهم وروحهم, وترسّخ القيم الوطنية والانسانية والأخلاق الحميدة لديهم من أجل التمسك بالوطن، كنت تضحك مع المقاتلين وتمرح معهم وتناقشهم وتدربهم وتشاركهم الحياة الطبيعية وكنت ترقص معهم في الحفلات التي تنظمها الكريلا, كنت في مقدمة الرقصات البوطانيّة التي طالما عشقتها والتي هي تعبير عن الحياة في بوطان عبر التاريخ, وتعبير عن الحرب والصراع المحتدم في هذه المناطق من أجل الوجود، معها خلقتَ مجتمعاً جديداً, مجتمعٌ جديدٌ بأخلاقه وعاداته وأسلوبه وقيامه وقعوده وتعامله وضحكاته وبكائه ، كنت لرفاقك الكريلا الأب والرفيق والصديق والقائد والإداري والمسؤول.
نعم رفيقي خبات كنت تعرف كيف تحول أصعب الظروف إلى أنجحها وتخلق منها ملاحم البطولة والانتصارات ، وكأنّك تريد أن تقول لا يوجد شيء مستحيل يمكن أن يوقف النّضال طالما الانسان مستمرٌ على نهجه, ويؤمن بتطلعات شعبه في الحرية والكرامة .
كنت تعرفُ أجل كنتَ تعرف, أن تاريخ هذا الشعب له جانبين, جانب المقاومة, وجانب الخيانة التي تمتد جذورها الى أغوار التاريخ وأنه لا بد من إزالتها عن وجه البسيطة, هذا كان موقفك في كل محطّة من تاريخ نضالك وحياتك كنت تعمل من أجل أن تجفف جذور الخيانة والعمالة ، ولهذا حاربت حماة القرى الذين حملوا سلاح العدو في مختلف مناطق كردستان وكنت لهم بالمرصاد وأجبرت الكثيرين للعودة إلى طريق الشرف والكرامة والانسانية ، كنت تتعامل معهم باللغة التي يفهمونها, تخاطبهم بأسلوبك الهادئ الجميل المُقنِع, فجذبت الكثير منهم إلى جانبك الذي هو جانب الحق والكرامة والحريّة, حتّى انضمّ الكثير منهم إلى صفوف حركة الحرية الكردستانية ، وبهذا كنت تعرف كيفية التعامل معهم ، فمثلما أردتَ الانتصار للخير والنور والحريّة, كذلك أردتَ الوقوف في وجه الخيانة والغدر والجهل والظلم والظلام والعبودية, لأجل ذلك أصبحت شهيد الحرية والعدالة والديمقراطية والكرامة ضد الخيانة والغدر و الذلّ والاستسلام.
زوهات كوباني
17.01.2012
17.01.2012





